////////////////////////////
المنفاخ !!
قصة / حسن حجازي
////////////
لستُ أدري لماذا تذكرتُ هذا الرجل , لم تزل صورته مرسومة امام عيني ومحفوظة في ذاكرتي , قابلته في مدينة " حائل " بالسعودية أثناء تواجدي هناك للعمل بالتدريس ,كانت بداية حرب الخليج , هناك حيث كنت في إعارة لدى وزارة المعارف , سألتهُ ماذا تعمل , قال :
- مدرس
قلتُ له :
- لم يتم توزيعي حتى الآن لكن في الغالب في إحدى قرى حائل البعيدة .
سانلي عن أسرتي قلت :
- معي زوجتي وابني الصغير ..
فقال :
- سيتم توزيعك على إحدى القرى القريبة لظروف الأسرة .. هذا هو النظام هنا .. لا تقلق .
فعدتُ لأسأله :
- أنتَ أين تعمل ؟ أكيد في إحدى مدارس حائل هنا ... فصمت ولم يرد ..
عدتُ لأسأله في فضول :
- ما هي ظروف العمل هنا ؟ والمناهج والطلاب ؟
فأجابَ في ضيق :
- أنا أعملُ منديلاً ؟
فزاد عجبي :
- منديلاً ؟
فقال :
- مُنفاخْ !
فازدادت دهشتي :
- مُنفاخْ ؟!
فرد بلهجة حادة أعرفها تماما وليست غريبة عني تشبه لهجة الكوابرية جيراننا وحبابينا , شراقوة :
- يا عم مَحرِم ! مرافق للزوجة .. هي التي تعمل وأنا أجلس في البيت مع الأولاد .. فهمت ؟ ولا لأ ؟!
قلت له :
- الأستاذ من " أبو كبير " ؟!
فضحكنا ونحن نجوبُ شوارع "حائل" المبللة بمطر الشتاء حيث كانت تبدو كعروسٍ ترفلُ في ثوب من الفضة والبهاء .. حقا "عروس الشمال" !
وما زال صدى الكلمة يرن في أذني .. منفاخ .. منديل ..
.. بعدها أدركتُ أنه لم يكن لا منفاخ ولا منديل.. وإنما كان أستاذاً نابهاً ... يعمل ويكد , يصل دخله شهرياً من الدروس الخصوصية ومراكز التقوية المنتشرة في ذاك الوقت هناك ما يزيد عن راتبي طوال العام !
فقلت في نفسي :
- كم مِن مناديل وكم من طراطير وكم من هلافيت في بيوتهم وبلادهم وحكوماتهم وأممهم لا رأي لهم ولا قيمة " ... كالأنعام بل أضلُ سبيلاً " ... كقطعٍ من الشطرنج الخشبي الخاوي الرخيص .. بلا لون ولا رائحة ولا طعم .. تحركهم اوامر صادرة من مؤسسات وبيوت كالبيتِ الأبيض أو الأسودْ !!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق